محمد حسين الذهبي
251
التفسير والمفسرون
بذلك ، وذلك قوله « وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ « 1 » » والزينة مستورة غير مشهورة ، ثم يتلو عليه « وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ « 2 » » فمن لم ينل الجنة في الدنيا لم ينلها في الآخرة ؛ لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب ، وأهل العقول دون الجهال ؛ لأن المستحسن من الأشياء ما خفى ؛ ولذلك سميت الجنة جنة لأنها مستجنة ، وسميت الجن جنا لاختفائهم عن الناس ، والمجنة المقبرة لأنها تستر من فيها ، والترس المجن لأنه يستتر به ، فالجنة هاهنا : ما استتر عن هذا الخلق المنكوس الذين لا علم لهم ولا عقول ، فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكا ، ويقول لذلك الداعي الملعون . تلطف في حالي ، وبلغني إلى ما شوقتنى إليه ، فيقول : ادفع النجوى اثنى عشر دينارا تكون لك قربانا وسلما ، فيمضى به فيقول : يا مولانا . . . إن عبدك فلانا قد صحت سريرته ، وصفت خبرته وهو يريد أن تدخله الجنة ، وتبلغه حد الأحكام ، وتزوجه الحور العين ، فيقول له : قد وثقته وأمنته ؟ فيقول : يا مولانا قد وثقته وأمنته وخبرته فوجدته على الحق صابرا ، ولأنعمك شاكرا ، فيقول : علمنا صعب مستصعب لا يحمله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو عبد امتحن اللّه قلبه بالإيمان ، فإذا صح عندك حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها ، فيقول : سمعا وطاعة للّه ولمولانا ، فيمضى به إلى بيته ، فيبيت مع زوجته ، حتى إذا كان الصباح قرع عليهما الباب وقال : قوما قبل أن يعلم نبأنا هذا الخلق المنكوس ، فيشكر ذلك المخدوع ويدعو له ، فيقول له : ليس هذا من فضلى ، هذا من فضل مولانا ، فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة ، فلا يبقى منهم أحد إلا بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون ، ثم يقول له : لا بدّ لك أن تشهد هذا المشهد الأعظم عند مولانا ، فادفع قربانك ، فيدفع اثنى عشر دينارا ويصل به ويقول : يا مولانا . . إن عبدك فلانا يريد أن يشهد المشهد الأعظم ، وهذا قربانه ، حتى إذا جن الليل ، ودارت الكئوس وحميت الرؤوس ، وطابت النفوس ، أحضر جميع أهل هذه الدعوى الملعونة
--> ( 1 ) في الآية ( 31 ) من سورة النور . ( 2 ) الآيتان ( 22 ، 23 ) من سورة الواقعة .